محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
71
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
نلاحظ هنا أن المناقشة تدور حول ذروة السيادة العليا التي تؤسّس مشروعية سلطة النبي والمؤمنين . ونلاحظ أيضا أن اليهود والمسيحيين مطالبون بالتراجع عن أخطائهم ( أي أن يتوبوا ) تماما كالمشركين . فالسلطة أو السيادة العليا لا ينبغي بعد الآن فصاعدا أن تنتمي إلّا إلى اللّه ( المعاد تحديده بشكل صحيح من قبل العامل - الذات الأعظم المرسّخ للميثاق الجديد ) ، ثم إلى النبي ( الذي كان في طور خوض المعركة على كافة الجبهات : من عسكرية . وسياسية ، وثقافية ، ورمزية « * » . وهذا هو معنى الجهاد المنقذ الذي دعي إليه المؤمنون والذي يرفضه المتقاعسون ، والمترددون ، والحانثون بوعدهم ) . أما المؤمنون أنفسهم ، فهم موزّعون على مراتب متفاوتة هرميا من حيث الأهمية وذلك طبقا لتاريخ انخراطهم في « الجهاد في سبيل اللّه » . فالذين انخرطوا في وقت مبكر أفضل من الذين انخرطوا في وقت متأخر . وهذا الجهاد سوف يستمر على هيئة أشكال عديدة ، وسوف يقنّن أو يقولب من قبل الفقهاء الذين سيرسمون الحدود الفاصلة دينيا وسياسيا بين دار الإسلام / ودار الحرب . نلاحظ أن عبارات من نوع « قال اللّه تعالى » أو « قال تعالى » تستهلّ كل محاجّات السيادة والهيبة من أجل تسوية الخلافات بين نفس الفئات المتنافسة أو المتصارعة والمستهدفة في سورة التوبة . وهكذا نرى كيف أن اللجوء إلى المشروطيات الاجتماعية والتاريخية التي أحاطت بالخطاب القرآني يجبرنا على تعرية عمليتين أساسيتين من عمليات كل خطاب إيديولوجي . فلكي يجعل هذا الخطاب الغاية أو بالأحرى الغائية المقترحة على الفاعلين الاجتماعيين مطلقة ، فإنه يلجأ إلى جعل وسيط هذه الغائية مطلقا ( وهو هنا دين الحق الملقّن والمقبول من قبل اللّه الحقيقي ) . إن هذه العملية المتمثّلة باضفاء السمة الإطلاقية على الغائية المثلى سوف تشهد انحرافا إيديولوجيا سريا أو خفيا عندما تنقل الوظائف المضطلع بها نحويا ، وسيميائيا ، وتاريخيا من قبل العاملين المدعوين : اللّه ورسوله ، إلى الوسطاء البشريين ويضطلعون بها فعلا . وأقصد بالوسطاء البشريين هنا جميع الفقهاء ، والمفسّرين ، والمؤرّخين القدامى ، والقضاة . فهؤلاء هم الذين سينخرطون في تفسير « كلام اللّه » ، والتعليق عليه ، وتكبيرة وتوسيعه إلى ما لا نهاية ، وذلك تحت تأثير الضغوط المتغيّرة للسياقات التاريخية ، والثقافية ، والاجتماعية ، ثم في ما وراءها تحت تأثير ديمومة ظلال المعاني الإجبارية ،
--> * النبي لم ينتصر عسكريا فقط على أهل مكّة ، وإنما انتصر أيضا رمزيا ، أي فكريا وعقائديا . فقد أحلّ الدين الجديد ( الإسلام ) محل الدين العربي الذي كان سائدا آنذاك . وأما في ما يخصّ الجهاد ، فإننا نحيل القارئ إلى الكتاب الذي أصدره ألفريد مورابيا بعنوان : الجهاد في الإسلام القروسطي ( وهو بالأصل أطروحة دكتوراه ) : 1993 ، Michel Albin ، Paris ، medieval lIslam dans Gihad Le : Morabia . Alfred